
حكومة هشام المشيشي التي وّفرت لنفسها كافّة أسباب سقوطها أو استقالتها، وأبرزها التحوير الوزاري العالق منذ شهر وما يزيد، وما تسبّب فيه من أزمة وتصدّع في العلاقة بين الرّئاسات الثلاث، وما انجر عنه من توّتر في المناخ السياسي واحتدام للصرّاع وتعمّق القطيعة بين رؤوس السلطة، وانهيار اقتصادي قد يعصف بما تبّقى من دولة تعيش على 'كفّ عفريت' منذ عشر سنوات، حكومة المشيشي أو حكومة الوزراء بالنيابة، تضاعفت أخطاء رئيسها وتفاقمت زلاّته وتعاظم خضوعه وانبطاحه لحزامه السياسي ما سيعجّل بإبادة حكومته، خاصّة وأنّ رئيس الجمهورية اشترط سابقا- للانطلاق في الحوار الوطني الذي دعا إليه اتّحاد الشغل-استقالة هذه الحكومة، ناسفا بذلك أي صيغة للتّفاهم مع رئيس الحكومة على حلّ لإنهاء الأزمة، أو الجلوس معه على طاولة واحدة للتشاور، حتّى أنّ سعيّد بات مدفوعا بفكرة تعيين رئيس حكومة جديد خلفا لهشام المشيشي، رغم الجهل بآلية تنفيذ ذلك إلاّ أنه مصّر أيّما إصرار على تنحية المشيشي من منصبه، بعد أن تحوّل لمنّفذ ومطيع لأوامر حركة النهضة.
اللّقاءات التي أجراها رئيس الدولة مؤخرا مع عدد من القيادات الحزبية، وممثلين عن منظمات وجمعيات وطنية، ليست بمعزل عن الأزمة السياسية الرّاهنة، بل هي في قلب الأزمة، فبحسب ما نشرته صحيفة الشارع المغاربي في مقال بعددها الصّادر اليوم الثلاثاء، فإن رئيس الجمهورية عقد لقاءات معلنة وغير معلنة بحثا عن حلّ للأزمة لا مكان فيه لحكومة المشيشي، حيث طلب من ضيوفه اقتراح مرشحين محتملين لخلافة المشيشي، البعض تحفظ مؤكدا على ضرورة إعداد خارطة طريق ومشروع متكامل يكون قائد المرحلة القادمة جزءا منه، وأخرون تفاعلوا مع سعيد رغم عدم وضوح الآليات التي سيعتمدها للمرور إلى مرحلة ما بعد المشيشي، وكيفية إبعاده من القصبة.
وفي هذا السياق، أوردت الشارع المغاربي أنّ ضيوف سعيّد تناقلوا معطيات بأنّ الرئيس انطلق في عملية البحث عن بديل لرئيس الحكومة، وقد وقع الاختيار على خمسة أسماء وهم وزير المالية السابق نزار يعيش، ووزير الداخلية المُقال من الحكومة الحالية توفيق شرف الدين، ووزير العدل والدفاع الأسبق غازي الجريبي، والأمينين العامين المستقيلين من حزب التيار محمد عبّو وغازي الشواشي،
وبحسب المصدر ذاته، فإنّ الاسم الأقرب لخلافة المشيشي هو وزير المالية السابق بحكومة الياس الفخفاخ نزار يعيش، بالنّظر لعمله منذ توّليه وزارة المالية على الاعداد لبرنامج وطني لإنقاذ البلاد والنهوض بالاقتصاد، حالت استقالة الحكومة السابقة دون تنفيذه، والذي وعد بوضعه على ذمة الدولة خدمة للمصلحة الوطنية، وأيضا بالنّظر للقاءات والاجتماعات التي أجراها يعيش مع عدد من المنظمات الوطنية، ومشاركته الأخيرة في المنتدى الاقتصادي التونسي الليبي المنعقد بصفاقس الأسبوع الفارط.
لفتت الصحيفة، إلى أنّ نزار يعيش كان محسوبا على حركة النهضة، وتعرّض لحملات مناهضة له بسبب ارتداء زوجته للنّقاب، وتمّ نعته بالنّهضوي المتخفّي، لكنّ بدايته على رأس المالية طبعها موقف مناوئ لحكومة يوسف الشاهد وتحميلها مسؤولية الإرث الاقتصادي والمالي المتدهور الذي خلّفته، واتّهامها بالتسبّب في الوضعية الكارثية للمالية العمومية، أي ذرف الدّموع في جلسة عامة بالبرلمان حينما تحدّث في المسألة وفق شهادات نوّاب حاضرين، وأيضا ممّا كان يحسب له حينها اصطفافه مع وزير مكافحة الفساد محمد عبّو، بعد طلبه التدقيق في جرائم مالية ارتكبتها حكومة الشاهد، واعداد ملّفات تمّت إحالتها على القضاء آنذاك، في إطار معاضدة جهود عبّو في حربه على الفساد، ورغم محاولة الوزير المذكور النأي بمنصبه عن رياح التغيير والاستقالة التي عصفت بحكومة الفخفاخ، إلاّ إنّه فشل في ذلك، بسبب رؤوس أموال معارضين لسياسته اشتكوه لمحافظ البنك المركزي الذي بلّغ المشيشي عند تكليفه بتشكيل الحكومة، ووفق الصحيفة فإنّ محور الشكاوى كان ما وُصف بـ 'الهرسلة والابتزاز' الذي تعرّضوا له رؤوس الأموال من يعيش بسبب حثّهم على من خلال دعوتهم لدفع مساهمات استثنائية من مالهم الخاص لمواجهة تداعيات أزمة كورونا، وهناك من رجال الأعمال من أكد أن نزار يعيش طلب منه دفع50 مليون دينار.
وفيما يتعلّق بوزير الداخلية المقال توفيق شرف الدين فإنّ اختياره سيكون أمرا صعبا انطلاقا من تجربته المتواضعة في إدارة وزارة الداخلية، والتي غلبت عليها 'الشعبوية'، وبالنظر أيضا لقضايا قد تكون رئاسة الحكومة رفعتها ضدّه على خلفية تسريب وثائق رسمية تتعلق بتعيينات واقالة قيادات امنية، مشيرة إلى أن تعيين شرف الدين لن تتم قراءته إلاّ على أساس أنه ثأر شخصي لسعيّد من المشيشي، ولن يكون إلاّ فرصة أخرى ضائعة على الدولة.
وبشأن وزير العدل الأسبق غازي الجريبي، المعروف وفق ذات المصدر بتطبيق القانون والذي دخل عند توّليه وزارة الدفاع في حكومة المهدي جمعة في مواجهة مع الرئيس المؤقت المنصف المرزوقي بسبب محاولة الأخير التدخل في صلاحياته، وأيضا رفضه لعدد من التعيينات بقوّة القانون، وأيضا رفضه الانخراط في الحرب الوهمية على الفساد التي شنّها يوسف الشاهد ضدّ خصومه، عندما كان وزيرا للعدل والداخلية بالنيابة، ويبدو في هذا الإطار أنّ دوره في ملف الجهاز السرّي والغرفة السوداء لحركة النهضة، وقضية مصطفى خضر كانت وراء اقالته من حكومة الشاهد، قرب شقيقة غازي الجريبي ثريّا الجريبي من رئيس الدولة تعزّز أيضا فرصة تعيينه، وأيضا العلاقة المميّزة التي تجمعه باتحاد الشغل، الذي سبق ان دعم ترشيحه لرئاسة الحكومة.
أمّا فيما يتعلّق بمحمد عبّو، فمن المستبعد اختياره من قبل الأحزاب والمنظمات، لأنه سيكون بمثابة إشارة للتوجه نحو حلّ البرلمان وإطلاق عملية الهدم للمرور إلى إعادة التأسيس، علما وأنّ عبو كان قد اضطر نهاية الأسبوع الفارط للرد على ما يُتناقل بخصوص قربه من رئيس الجمهورية وتقديمه كمستشار خفي للرئاسة، في حين تؤكد الدوائر القريبة منه أنه غير معني بأي منصب.
أمّا غازي الشواشي، المستقيل منذ أيّام من الأمانة العامة لحزب التيار الديمقراطي، من التيار الديمقراطي، والوزير السابق بحكومة الفخفاخ والذي لم يخف أبدا طموحاته السياسية، ليس لديه حظوظا كافية لتوّلي المنصب، بسبب تركه الباب مفتوحا مع حركة النهضة وانزياحه بخطابه الثوري إلى الخطاب البرغماتي بتعلّة إكراهات السياسة، وأيضا بالنظر لتعقيدات العملية السياسية، وانهيار رابط الثقة بين مختلف الفاعلين في المشهد، وفق الصحيفة.
0 تعليقات