اشترك في النشرة البريدية

التجربة الشعرية من الداخل ( إضاءة جمالية وفتنة المعنى ) بقلم : منير بلقاسم

 


يبدو الخوض في التجربة الشعرية بالنسبة للقارئ وكأنّه مسألة متداولة مستهلكة وموضوعا متيسّرا سرعان ما يتيح لنا الحسم فيه من زوايا نقدية عديدة : زوايا قاربت الموضوع مقاربة سياق النشأة وظروفها وملابساتها في علاقة بحياة المبدع ومنعطفاتها وتعرّجاتها المختلفة ، سواء تعلّق الأمر بمولده بدراسته وعوامل تأثّره ، بمصادره وآتجاهات تفكيره ، وفي أحسن الحالات بأسلوبه وآثاره. فهل الأمر كذلك فعلا وهل يجوز الحديث عن عوامل أخرى من الحريّ النظر فيها وبيانها ؟

 التجربة / رؤية من الخارج :

 حين تحدّث رولان بارت عن موت المؤلّف  فقد راكم نظرة حول وطأة العوامل الخارجية على الذات المنشئة ، داعما معتقدا نقديا وشيك التغلغل حول قابلية تلك الذات الفنية (شاعر ، روائي ، رسّام ) إلى الخضوع اللامنتهي إلى مؤثرات لا تحصى من ذاكرته الخاصة خضوعا تستقطبه عوامل الماضي   السحيق في صيرورة التجربة ، وتخفيه حدائق اللاوعي الخلفية خلف كوامن المثاقفة ومعاشرة الآثار الأدبية والفكرية ومختلف آتجاهات الذات ومواقفها الآجتماعية والثقافية والأسلوبية. وهكذا ظلّت الكتابة عنده ” هي الحياد والقضاء على كل صوت وعلى كل أصل “. إنها التيه خلف العوامل المؤثرة بحيث يمكن الجزم في أدنى مستويات التحليل والتأويل أن رَهْنَ مسألة الإبداع بعامل واحد ، مثل الموهبة مثلا ، إنما هو مخاطرة وسعي خلف السراب فكأنها وثوقية بلا تبرير(1)

 

 وقد تتعمّق هذه المسألة في ذات الآتجاه إذا ما أضفنا عليها رأي بول ريكور في معرض حديثه عن الزمن الحاضر حين َوسَمَهُ  باللاديمومة  قياسا إلى تجذّر الماضي ( بآعتباره ذكرى ) ، ورسوخ المستقبل ( بآعتباره توقّعا). وهكذا تضيع فرصة تثبيت الإبداع بآعتباره لحظة راهنة وفعلا ذاتيا له إحداثيات التّحقّق لفائدة تلك العوامل المتدخّلة في نحت الذات والتي تبدو متداخلة متواشجة في تشابك أنطولوجي رهيب. لكن المبحث ههنا ( في مقاربة التجربة الإبداعية الذاتية ) قد لا يبدو خاضعا للبتّ  في مثل هذه المسألة ، إقرارها ، أو دحضها ونكرانها ، بقدر ما هو مؤهّل للنظر فيها من زاوية مخالفة مغايرة : نظرة قد تفلت من عقال التأويل فتبدو بالتالي زئبقية ، مخاتلة  ومعقّدة ، بكيفية أشدّ ممّا هي عليه مسألة الأصوات المختفية خلف الإبداع  التي تحدّث عنها بارت ، أو تيه الذات السردية في لاديمومة الحاضر وتحقّقها في سواه من حالات الزمن الأخرى كما سَلَفَ بيانه مع بول ريكور( 2 )                                                           

 فهل جِئْتُ إلّا لِأَتَحَدَّثَ في صورة المُنْشئ ، وإلّا لِأَنْظُرَ في ما قد يحيط  بلحظة الإنشاء تلك ، وإخراج ما هو كامن في الداخل السّحيق إلى الخارج الغافل عنه : سواء أكان ذلك الذاتي المتمنّع لحظة إشراق أو دربا في عَتَمَة ؟

ومن هنا قد تستحيل المسألة مزدوجة الرؤية ، ومن ثمة جاز النظر في وجاهة قول بارت بموت المؤلف أي بضياع صوته بين العوامل التأثيرية الخارجية وكأنه ليس صورة منعكسة عنه ( في أصالة الفعل الإرادي الواعي ) ، وجاز معها دراسة حدود التسليم بأنّ تبلور الظروف الخارجة عن ذات المنشئ قد تنفي مسألة الشعرية في علاقة بالتجربة الذاتية الحرة إبداعا وتميّزا !

التجربة / رؤية من الداخل :

 قرأت نيتشه في أَثَرَيْنِ فلم أجده إلّا شاعرا أو في أبهى حالاته متأمّلا. أقول هذا تحفّظا لأننا آعتدنا أن ننتصر للفلسفة على حساب الشعر كما هو الحال مع الدين مادام التأمّل موضوعا مشتركا بين هذه الحقول الثلاثة ، مع فوارق لطيفة عند تدقيق المهام والمنهج لكلّ منها على حِدَة : 

 ـ في النموذج الأوّل كان نيتشه مادحا للغموض في معرض حديثه عن الروائي الإيرلندي لورانس شتيرن : ” إن ما ينبغي أن نمدحه فيه ليس هو اللحن الكامل والواضح بل اللّحن اللّامتناهي إذا شئنا أن نطلق هذا الآسم على أسلوب فني يتم فيه بآستمرار تحطيم الشكل الدقيق وتشويهه وتحويله ثانية إلى أشكال غامضة بحيث يصير معناه دالّا على شيئين في ذات الوقت. (3)

ــ في النموذج الثاني يبدو نيتشه شاعرا متأمّلا صريحا باللفظ الفنّي وبالأسلوب : وليس أبلغ من أن نصغي إليه وهو يسرد رؤاه كأنه نبي (على شاكلة الرومنسيين) أو أيقونة تحرّر (بلغة الثوريين الحالمين) : ” من يعرف كيف يتنفّس من الهواء الذي يملأ كتاباتي يدرك أنّه هَواءُ أعالٍ ، هواء شديد حادّ ، وعلى المرء أن يكون مجبولا لمثل هذا الجوّ وإلّا فإن الخطر سيكون غير يسير، خطر الإصابة ببرد. الجليد قريب والوحدة رهيبة (…..) إن الفلسفة كما كنت دوما أفهمها وأعيشها ، هي الحياة طوعا في الجليد وفي الجبال الشاهقة.” (4) 

 هذا النهج التعبيري وهذا اللعب على اللغة وبها ، بل وأهمّ من ذلك وأبلغ هو هذا التشبّع الآستعاري المحموم مَنْ أقْدَرُ عليه مثل شاعر، ومَنْ أقْرَبُ إليه من سابِرٍ لمَنابِت الشعور ومضارب الوجدان القصيّة في تلجلج الذات بآفاتها ونزوعها إلى البوح والرمز والتجريد. وفي كل الأحوال فقد نجد بعض الوجاهة في المثالين السابقين وذلك من جهة دلالتهما على رمزية البعد الذاتي الحميمي في كل حالة إبداعية : 

_ أما عنصر الغموض فلعلّه يستمدّ أهميته من علاقته بالبعد الرمزي وكذلك من تقليد حداثي عرف بغموض الإبداع ، وذلك في إشارة إلى ما يسمّى أسلوبيا بالدلالات الحافّة التي من سماتها وضع القارئ موضع تساؤل دائم عن المعنى بل إنها تدفعه دفعا إلى مسألة الـتأويل وإعادة بناء النص الأصلي وتجديده بأدوات الخبرة الذاتية وما راكم من معارف ومناهج ذاتية.

_ وأما ما آختصّ بلغة نيتشه وأسلوبه في الكتابة الفلسفية فإنّما هو سعي إلى تثبيت الأسلوب في حاضنته الذاتية ، الحاضنة/المنشأ بما هي آنعكاس لتفكير المنشئ هو هو أي كما يدلّ عليه أسلوبه وشخصيته. ألم يذكر أنّ الأسلوب هو الرجل ( بالمعنى الدال على الذات العارفة وتفكيرها لا بالمعنى النوعي الذكوري طبعا. ) والرجل هنا لا يمكن إلأ أن يكون ساخرا وهو يبسط فلسفة الإرادة الحرّة : ” تحطيم الأصنام (وهذه كلمتي المفضّلة للتعبير عن المثل) ، هي حرفتي …… أنا لا أفنّد المُثُل بل أكتفي بوضع القفاز عند تناولها. / لكن كيف يمكن توسيع مبررات العودة إلى الأثَرَيْنِ السابقين طالما أنّ القضيّة هي بحث في التجربة الشعرية من الداخل ، وذلك الداخل هو ذاتي حميمي بالضرورة الإنشائية الإبداعية ؟

 

الشعر/ تجربة حميمية قصوى 

  ههنا المسألة منوطة بسياق الذات المخصوص ، بمجالها الحيوي الشعري بما هو إنشاء وعالم داخلي تحكمه مناخات من الرؤيا والتحفيز: ههنا تجد تعبيرات مخصوصة لها مكانة وأيّ مكانة : تعبيرات مثل الكون الشعري وأفق الآنتظار والتخييل إضافة إلى بعض الآليات النفسية المتداولة مثل بوح / تصعيد / إسقاط ……

 إن معارضة قول بارت أو في أضعف الإيمان تعديله ، إن جازت لنا المجازفة بمجاراته أو التطاول عليه ، هي محاولة لترميم تصدّع لَحِقَ بمعايير الدّاخل الإبداعي بآعتبارها من دعامات الجوهر الشعري تنوب عنه أصالة دون سواها ( من المؤثرات الخارجة عنه والمتغيّرات المرتبطة بنشأة الشاعر). (5) 

 ومن الداخل الإبداعي وجوهره الشعري  ننتقي مقولة الكون الشعري بآعتبارها لحظة ذاتية أصيلة 

منغلقة ، لحظة مكتفية بذاتها إبداعيا لها طقوسها وتجليّاتها ولها مناخاتها الوجدانية والرمزية. هذه اللحظة 

التي من صفاتها التملّص من كل تحديد والتمنّع عن كل مقياس.

 الكون الشعري هو بيت خيال الشاعر فيه ينام ملء أحلامه وعلى إطلالة نوره المتوهّج يصحو. ولذلك النور شروط تحقّق وقادحات ظهور. إنّها محفّزات الإنشاء التي قد يشترك فيها المبدع مع الساحر القديم والمتصوّف الآمل في التفرّغ والتوحّد. لا يمكن للشعر تحت أيّة طائلة أن يكون تهويما أو رجما بالغيب ولكنّه أيضا، وفي أعتى حالاته وأجلّها ، حالة تلبّس وآنغمار.

 لا أقول قول من قال بـ ” لحظة المكاشفة الشعرية ” بما هي ” إطلالة من مدار الرعب ” (6) من عالم الشاعر بل أنحو إلى لغة أشدّ رسوخا في مواضعات المعرفة الإنسانية وتقاليدها العرفانية لِأَصِفَ تلك الحالة بـلحظة التسامي ، لحظة رسوخ الشاعر في أطر الإستيتيقا وآنهمار الصور ، حيث ترتفع لغته رفعة العدول وكذا يكون تواشجه مع مصادر التجاوب والخيال ( سواء أكانت ذات مراجع طبيعية رومنسية ، واقعية تصويرية أو سريالية نفسية من فوارسها الفنطازم وفيض الآستيهامات ) .

 هل يمكن أن نتحدّث عن كون شعري خارج دائرة التصادم القصدي مع الحلم / مع المتخيّل المتمنّع / مع المستعصي الذي يشارف على المستحيل أو يكاد : فإذا كان الفنّ عموما هو آلتقاط صورة للواقع وتجميلها فإن الشعر بالذات هو قفز إلى سدرة المنتهى في العتبة الجمالية. إنّ الشاعر لَهُوَ الفارس الذي يسعى إلى أقصى الرحلة ويكابد أهوالها ويشقّ تلالها ومفازاتها لننعم أخيرا بعُشْبَةِ الشفاء التي يحملها إلينا أخيرا وهو في هيئة الأمير/ الفارس المظفّر.

 ويظلّ القول مفتوحا آنفتاح أفق الرؤية وتعدّد الأصوات ، فالتجربة بما هي صوت الذات المخصوص تظلّ لحظة منفلتة من كل تقعيد وحالة فردية من سماتها التعالي الفنّي لا بالمعنى الأخلاقي ولكن بما تحمل من دلالات التدبّر والتقصّي. 

فهل تلك اللحظة إلا لحظة منغلقة من آثامها التمركزحول ذاتها ، وهل هي في طبعها ذاك إلّا متكتّمة كامنة ، لامرئية / فهل من حيلة في وصفها إلّا أن نعيشها لحظة وقوعها ؟

 فكأنها لحظة لاديقراطية فادحة : أليست تطلب منّا أن نكون شعراء رغما عنّا : شعراء بالقوة لا بالوجود ! 


 الهوامش :

1 ـ رولان بارت : في الأدب والكتابة والنقد ، دار نينوى ، ص 127

2 ـ بول ريكور : الزمان والسرد الجزء الأوّل ، دار الكتاب الجديد المتحدة ، ص 30

3 ـ فريديريك نيتشه : إنسان مفرط في إنسانيته ، دار أفريقيا الشرق ، ص39    

4 ـ فريديريك نيتشه : هذا هو الإنسان ، منشورات الجمل ، ص ص 8 / 9

5 ـ رولان بارت ( المرجع السابق ، نفس الصفحة )

6 ـ محمد لطفي اليوسفي : فتنة المتخيّل ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

https://ift.tt/3jO5cDT


إرسال تعليق

0 تعليقات