![]() |
بقلم د عبد الله حمودي، عالم انتروبولوجي مغربي |
ماذا عساي أقول عن هذا الوباء؟ لا بد من الاعتراف بأن الحدث نفسه يستعصي على تحديد هويته ولا يمكن تحليل تجلياته بسهولة.
لقد اقتحم علينا حياتنا و أمسك بنا على حين غرة، في البداية أصابنا الذهول ونظرنا إلى ما يجري في الصين نظرة من نزلت عليه المفاجأة.
ثم أدركنا أننا نحن أيضا معنيون بالوباء وبالموت الذي حصد أرواح عديدة في الصين ثم انتشر في كل مكان، في البلدان الغنية والقوية، القديمة والجديدة، وكذلك في منطقتنا حيث الدول لها اقتصادات هشة، أو يسيطر عليها الفقر والأمراض.
بالنسبة لنا جميعا الموت هو واقع حاضر وفوري. وها نحن نراه يحصد أرواح الآخرين في حين نظل على قيد الحياة دون أن ندرك كيف ولماذا أو كم سنستمر هكذا. أما على المستوى الفردي، فهذا هو الواقع الذي يصعب استيعابه. إن استجابة العلم بطيئة، ولا يمكنها أن تكون فعالة في الوقت الراهن ضد هذا الشعور وهذا الواقع.
أما جواب الخطاب الديني فينقسم إلى قسمين: الأمل في النجاة مع انتظار الإنجازات الطبية، ثم خاصة في بلداننا، إنكار قدرة العلم وانتظار المعجزات. من ناحية أخرى هناك موقف السلطات في الدول وهي تخشى قبل كل شيء أن تفقد التحكم في المجتمع وأن تؤدي الخسائر في الأرواح إلى فقدان السلطة السياسية. وبطبيعة الحال، فإن الضربات التي يتلقاها الاقتصاد والبنية التحتية والمؤسسات هي التي تثير أكبر قدر من القلق.
ومن وجهة النظر هذه، فإن الجدة الحاسمة لهذا الوباء هي أننا لم ندرك جيدا كيف تسلل إلى حياتنا ، ولا نعرف إلى متى سيدوم هذا الحال ، أو متى وكيف سيتوقف أو ربما يجب أن نقتنع أنه سيكون علينا أن نتعايش معه، وبالتالي العثور على نمط جديد للعيش ؟ في الوقت الراهن، نحافظ على الأمل في الخروج من الأزمة . لأنه لا يمكن أن نتصور عدم الحفاظ على الأمل في الخلاص سواء بالنسبة للفرد أو للدولة.
في غضون ذلك نسير بغير هدى ولا بصيرة كيفما اتفق وفي غياب توقعات موثوقة لأن التنبؤات الحالية لا تهم إلا كيفية محاصرة الوباء ولو قليلا : العزل الصحي و المسافة الاجتماعية والتحاليل المخبرية لرصد المصابين.
للوهلة الأولى، يبدو أن الجمع بين الرأسمالية المتطورة وجهود الدولة الاستبدادية في مجال البنية التحتية، والتخطيط للأبحاث وللإنتاج، يبدو أن هذا النظام هو الذي استجاب بشكل أفضل للأزمة ومع ذلك لا بد من الحذر لأن سيطرة الحزب الواحد وجهاز الدولة على المعلومات تتركنا في ضبابية حقيقية.
ومن ناحية أخرى، فإن الرأسمالية النيو ليبرالية الجديدة والتغييرات الملازمة لها والتي مست الديمقراطية أضعفا الحماية والخدمات الاجتماعية القديمة المكتسبة، ولا سيما في مايخص الأغلبية [الطبقات المتوسطة والعمال والشعب بشكل عام] . لقد تم إدخال منطق السوق إلى الخدمات الاجتماعية والطبية، كما خُفضت الضرائب المفروضة على الشركات [وخاصة الكبيرة منها]. ومع ذلك ، فإن الوباء يتطلب تدخلًا واسعًا وسريعًا وهياكل طبية ومستشفيات تتجاوز بكثير ما يمكن أن يقدمه السوق [في إسبانيا اضطرت الدولة إلى تحويل بعض الفنادق إلى مستشفيات] . ولا يزال التحليل المخبري لجميع السكان على نطاق واسع عملية طويلة المدى اذ هي مستحيلة على المدى القصير والمستعجل.
هناك بلدان اثنان شكلا الاستثناء هما كوريا الجنوبية وألمانيا وكلاهما يمارس الرأسمالية القاسية التي يتم تليين إجراءاتها قليلا عبر بعض القوانين والانضباط الشديد للسكان في إطار ديموقراطية اجتماعية.
وفي كلا النظامين الصين من جهة وأمريكا والاتحاد الأوروبي من جهة ثانية ( مع بعض الاستثناءات بالنسبة للاتحاد الأوروبي ) فإن تراكم رأس المال ومستويات الأرباح قد دفعت للوراء انشغالات الوسائل الضرورية لبناء حياة رغيدة وسليمة للجميع وحماية البيئة: لذلك سيكون من الضروري إعادة التركيز على الإنسان وغير الإنسان [الأرض وكل الكائنات الحية التي تعيش فوق الأرض] وليس فقط بالمعنى الطبي، وأعتقد أن الازدهار النسبي للأغلبية الصينية كان له ثمن باهظ . وعلى أية حال، فإن الجهود المبذولة في الحالتين تغديها المنافسة العالمية على السلطة والنفوذ.
وربما ينبغي أن نتوجه نحو تأسيس هياكل اجتماعية برأسين: رأس يوحّد شبكة من المنظمات الاجتماعية والمدنية المحلية المنتشرة في جميع أنحاء البلاد، ورأس يشرف على الإدارات الوطنية والحياة السياسية للأمة. وينبغي أن يراقب الرأس الأول تطور الموارد والاستثمار في هذه الموارد، بالتعاون مع الدولة والشركات؛ وبالتشاور مع النقابات والأحزاب.
إن هذه الفرضية حول نظام برأسين، والتي طرحتها هنا بشكل عام، في الواقع لن يكون لها نفس المضمون في كل مكان. فإذا نظرت إليها من الصين أو روسيا، ستبدو لك غير عملية وإذا نظرت إليها من أمريكا يمكنها أن تقوم على الأسس المحلية القديمة للديمقراطية [كما وصفها بدقة متناهية توكفيل] . ولكن الرأسمالية الليبرالية الجديدة ربما قوضت هذه الأسس، حيث يبدو أنها خلقت شبكات أرباحها وسلطاتها الموازية التي تفلت من رقابة الأغلبية في مجتمعاتنا.
ومع ذلك، فإن هذا النموذج برأسين يستجيب في الغرب إلى المطالب الإيكولوجية ، وإلى التطلع إلى الخروج من التسليع القاتل الذي يهدد ببسط جبروته على جميع الأحياء وكذلك الحياة الاجتماعية والثقافية. وأخيرا ، فإنه يستجيب للرغبة في تقليص المصائب التي جاءت بها المنافسة الشديدة على السلطة في العالم ويمكن لشبكات الرقابة المحلية على الموارد والسياسات أن تخفف من سيطرة الدولة وهياكلها التكنولوجية. فعلى سبيل المثال، سيكون لهذه الشبكات بعض التأثير على السياسات الإنمائية وعلى البحث العلمي.
أما بعد، فما هي جدوى هذا النموذج في منطقتنا المغاربية والشرق الأوسط؟ ربما ينبغي أن نترك جانبا البلدان التي دمرتها الحروب وعواقبها: العراق وسوريا واليمن وليبيا وفيها يزداد الوباء فتكا ويضاعف الخسائر في الأرواح؛ بينما الوضع في السودان غير مستقر، ولا نعرف الكثير عن حالة موريتانيا.
ثم علينا أن نفصل بين بلدان النفط وغيرها أي المغرب ولبنان وتونس ومصر. ويمكن لمنتجي النفط، بما فيهم الجزائر، أن يدفعوا تكاليف الخدمات والتجهيزات والرعاية الطبية . شريطة أن يكون العرض متاحًا. وقد أظهر الوباء أن هذا ليس هو الحال دائما؛ ولكن لا يمكنهم شراء اختراع اللقاح. أما الباقون فتضرروا بشدة من عواقب الوباء على الاقتصاد العالمي والسياحة [حالة المغرب] بينما الأضرار جسيمة بالنسبة للبيئة، وكذلك بالنسبة لتحولات أنماط الحياة حيث تحولت بعض المدن الكبيرة إلى متاحف في الهواء الطلق مفتوحة للسياح والمصطافين القادمين من بلدان الشمال.
وفي كل مكان تكشف الأزمة عن التعطش للسلع الغربية، ورفض الطبقات الجديدة الاكتفاء بالاستهلاك المحلي، وقلة رغبة الرأسمال الوطني للاستثمار في الصناعات ذات الدورة الطويلة المدى والتي تغذي الصناعات الأخرى، ناهيك عن البحث العلمي والتقني. و نفس المزايا المقارنَة المتعلقة بتكلفة اليد العاملة والمصاريف الاجتماعية هي التي يستفيد منها الرأسمال الوطني استفادة بالغة ، ويسعى قبل كل شيء إلى الاندماج في سلاسل رأس المال المعولمة.
ويلقي الوباء وتدابير الاحتواء الصارمة ضوءا يكشف بقساوة على العدد الكبير من الجماهير التي تخلى عنها النظام السائد. وهذه الحقيقة واضحة بشكل خاص في المغرب حيث يطلق عليه “القطاع غير الرسمي” وهو مصطلح يعبر بشكل مهذب عن البطالة أو الشغل الجزئي.
ومن ناحية أخرى، يجب أن نعترف بنجاح التدابير المتخذة، وتعاون شعب تعود على التعبير عن التضامن وعلى التعبئة في مواجهة الأخطار التي تهدده. ويتجلى هذا التضامن أيضاً في تضحيات العاملين في المجال الطبي وغيرهم من الموظفين الإداريين، وفي شبكات التضامن المحلية التي تعزز مجهودات الدولة عندما تكون هذه الأخيرة غير كافية أو غير موجودة .إن مجموعة البلدان التي يشكل المغرب جزءاً منها لديها اقتصاد أكثر تنوعاً، وإدارة يقظة، وتقنيات أمنية مجربة وناجعة.
قد يكون الخروج من الأزمة محفوفاً بالمخاطر كما يمكن أن ينطوي على وعودً بمستقبل أفضل.
ويبدو أن الوباء يضرب بلا تمييز كل البلدان و كل المناطق في نفس البلد. في بلادنا ، كما هو الحال في أماكن أخرى، ينعزل الأغنياء في ظروف لا يمكن للأغلبية والفقراء والمشردين أن يحلموا بها. لقد أصبحت المعلومات متاحة للجميع في عصر الإنترنت ولا بد للتعبئة لحماية الجميع أن تجلب العافية والراحة للجميع وهو طموح صعب المنال ولا يمكن أبدا تجاهله.
لا يمكن للدولة تسهيل الاستثمار الرأسمالي المعولم والمشاركة فيه دون ضمان دخل كاف لأكبر عدد ممكن من الناس. ومن المؤكد أنها لا تستطيع التحكم في العولمة. ولكنها يجب أن تكفل الحد الأدنى من رفاه مواطنيها من خلال فرص الشغل والأجور والتعليم وحماية الحياة. ولن يمكن تحقيق ذلك بدون اعتماد سياسة ادخارية وإعادة تشكيل أنماط الاستهلاك، والحد من الفوارق بين الطبقات والجهات.
كثيرا ما نسمع مقترحات حول عودة الدولة إلى مجال التنمية وحول الاستقلال الاقتصادي. إلا أنه توجد في الواقع بعض الشركات الكبيرة في مجالات ذات أهمية استراتيجية وطنية وهذه ينبغي وضعها تحت سيادة وتدبير الدولة . ولكن إذا عدنا إلى نموذج السلطة برأسين اثنين يجب أن يرتبط الرأس الأول بإدارة هاته الشركات وإلا فإننا قد نعود إلى القطاع العام المدمر وغير الفعال في الستينات والسبعينات من القرن العشرين ولا توجد استقلالية بدون مقابل بل على العكس من ذلك، من الضروري الإنتاج بل الإنتاج الجيد من أجل كسب لقمة العيش والازدهار في خضم الأسواق العالمية.
مع هيكل برأسين، يجب أن يراقب الرأس الأول مجال البيئة التي تخضع الآن للتدمير.
ويمكن إنعاش وتثمين الثقافة لتساهم مثل البيئة في السياحة الوطنية والدولية. ولكن لا يجب أن يكون كل شيء قابلا للبيع والتسليع ، فالنظام التعليمي، وتعليم قيم الفن واحترام الطبيعة يمكن أن يشجع المبدعين عندنا على خوض مسارات تثير الطموح والشغف حيث تمكّن إبداعاتنا من فرض نفسها كعروض مغرية في العالم الفسيح.
ترجمه إلى العربية: أحمد ابن الصديق
المصدر موقع " لكم"
0 تعليقات